الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
262
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
القائل فلا ينافيه عدم كون العزم بدلا عن مطلق الفعل إذ ليس مقصود القائل المذكور إلا دفع الشبهة من عدم اتصاف الفعل الواقع أولا وثانيا مثلا بالوجوب نظرا إلى جواز تركه وتركه حينئذ بلا بدل وهذا القدر كاف فيما هو ملحوظ في المقام ومع الغض عن ذلك فالمقصود بذلك إدراج الفعل حينئذ في الواجب لصدق عدم جواز ترك مطلق الفعل حينئذ على تقدير العزم وهو كاف في إدراجه في حد الواجب وانفصاله من المندوب إذ الواجب ما لا يجوز تركه في الجملة فالعزم وإن كان بدلا عن تعجيل الإتيان به في الأول إلا أنه لا يجوز ترك مطلق الفعل حينئذ مع ترك العزم بوجوب التعجيل على سبيل التخيير بينه وبين العزم ووجوب نفس الفعل حينئذ من جهة المنع من تركه على تقدير عدم العزم على الإتيان به فيما بعده فهو أيضا مما لا يجوز تركه في الجملة هذا ثم إنه يمكن أن يقال إنه لا تعدد في المقام في الأبدال ولا في الواجب المبدل فإن وجوب المبادرة إلى الفعل أمر واحد إلى أن يأتي المكلف بالفعل وكذلك العزم على أداء ذلك الفعل واجب واحد يقوم مقام الواجب المذكور عندهم يستمر باستمرارها حتى إنه لا يجب عليه تجديد العزم في كل آن بل عزمه أولا على أداء الفعل كاف بالنسبة إلى الأزمنة اللاحقة ما لم يتردد فيه أو ينوي خلافه كما هو الحال في النسبة بالنسبة إلى العبادات الطويلة وقد أشار إلى ذلك في الرجحان حيث قال الذي أرى منهم لا يرجون تجديد العزم في الجزء الثاني بل يحكمون بأن العزم الأول ينسحب على جميع الأوامر المستقلة كانسحاب النية على العبادات الطويلة مع غرورها هذا وقد ذكر المصنف في الحاشية بعد ما أشار إلى الجهتين المذكورتين أنه إنما عدل عنها لما هو التحقيق من أن القائل ببدلية العزم لم يجعلوه بدلا عن نفس الفعل بل عن إيقاعه فالمبدل منه هو إيقاعات الفعل في أجزاء الوقت والبدل هو إيقاعات العزم فيها لا في الجزء الأخير فكل واحد منهما متعدد وكل بدل ينافي به بمبدله وأنت خبير بما فيه كما مرت الإشارة إليه وأيضا إيقاع الفعل في الأول قاض بسقوط التكليف فكيف يعقل القول بحصول البدلية وبقاء التكليف مع الإتيان بالبدل والحاصل أن إيقاعات الفعل إن كانت متعددة لا يجب الإتيان بها أجمع بل يكفي إيقاع واحد منها فكيف يقال بوجوب المتعدد وقيام العزم مقامه فما ذكره من تعدد الواجبات والأبدال لا يلزم أن يكون على سبيل الحقيقة بل يكفي أن يكون ذلك في تحليل العقد حسبما قدمنا الإشارة إليه [ الوجه ] الثالث أنه لو كان العزم بدلا لم يجز فعله مع القدرة على المبدل كسائر الأبدال مع القدرة على مبدلاتها وضعفه ظاهر المنع كون ذلك من أحكام البدل لوضوح انقسام الأبدال الاختيارية والاضطرارية وقد أشار إلى ذلك جماعة منهم السيد في الذريعة والعلامة في النهاية [ الوجه ] الرابع أن العزم من أفعال القلوب ولم يعهد من الشرع إقامة أفعال القلوب مقام أفعال الجوارح ووهنه ظاهر إذ لا حجة في مجرد ذلك قوله لم ينفصل من المندوب إلى آخره قد عرفت أن المتصف بالوجوب الموسع إنما هو مطلق الفعل الواقع في الزمان المضروب له وتركه إنما يتحقق بتركه في جميع الزمان المضروب له وليس تركه في أول الوقت ووسطه تركا للواجب بل يكون ذلك تأخيرا له والمعتبر في الواجب إنما هو المنع من الترك دون المنع من التأخير وأما خصوص الأفعال الواقعة في أجزاء ذلك الزمان فإنما يتصف بالوجوب من حيث انطباق الواجب عليه وكونه فردا منه لا من حيث الخصوصية الحاصلة فيه كما هو الشأن في سائر أفراد الواجبات فإنها إنما تكون واجبة من حيث انطباق الطبيعة الواجبة عليها لا من جهة الخصوصية المأخوذة معها ولذا يجوز ترك كل من الأفراد واختيار الآخر إذا عرفت اختلاف الجهتين المذكورتين فلا ينافي وجوب الفرد من جهة حصول الماهية في ضمنه وجواز تركه بالنظر إلى الخصوصية الحاصلة معه وإنما ينافيه جواز ترك الماهية إذا لوحظت على الوجه الذي تعلق الطلب بها فإن جواز تركها بالملاحظة المذكورة قاض تعدم انفصالها عن المندوب وأما إذا لم يجز تركها عن الوجه المذكور فالانفصال عن المندوب واضح وإن جاز تركها بملاحظة أخرى وليس ذلك من اجتماع وجوب الفعل وجواز تركه في محل واحد إذ جواز ترك الفعل من جهة لا يستلزم جواز تركه بحسب الواقع مطلقا فالحاصل في المقام هو اجتماع الجهتين لاجتماع الحكمين ولا مانع منه أصلا كما لا يخفى والحاصل أن الوجوب المتعلق بالطبيعة متعلق بأفرادها من حيث كون الأفراد نفس الطبيعة ووجوب الفرد بذلك عين وجوب الطبيعة إذا كانت الطبيعة المفروضة ما لا يجوز تركها كما قررنا لم يعقل عدم انفصال الواجب في المقام عن المندوب وجواز ترك الفرد نظرا إلى الخصوصية الملحوظة معه لا ينافي وجوبه بالاعتبار الأول فغاية الأمر جواز ترك أداء الطبيعة به وذلك لا ينافي وجوبها أصلا وقد مر توضيح القول في ذلك ثم إن الطبيعة المفروضة من حيث إطلاقها متعلقة للأمر بالأصالة متصفة بالوجوب التخييري أصالة وهي بتلك الاعتبار مما لا يجوز تركه مطلقا ومن حيث تقييدها بخصوصيات الأفراد متصفة بالوجوب التخييري التبعي الذي هو عين الوجوب التبعي المذكور المغاير له بحسب الاعتبار حسبما مر بيانه والانفصال عن المندوب بالملاحظة المذكورة ظاهر أيضا قوله وهو أنه لو أتى بأحدهما أجزأ إلى آخره لا يخفى أن حصول الإجزاء بمجرد الإتيان بأحد الفعلين والعصيان بالإخلال بها لا يقضي بتعلق الوجوب بكل من الأمرين على سبيل التخيير لإمكان أن يكون الأمر بالثاني مرتبا على ترك الأول فلا وجوب للثاني لا عينا ولا تخييرا مع الإتيان بالأول ويجب عينا مع ترك الأول فلا وجوب للثاني لا عينا ولا تخييرا مع الإتيان بالأول ويجب عينا مع ترك الأول أو يكون سقوط الثاني مترتبا على فعل الأول فيجب الثاني عينا مع ترك الأول ولا وجوب أصلا مع الإتيان به ألا ترى أنه لو ترك الزوج طلاق زوجته والإنفاق عليها عصى ولو أتى بأحد الأمرين أجزأ وكذا الحال في تخييره بين السفر في شهر رمضان والصيام هذا إذا أريد بالإجزاء ارتفاع الإثم وانتفاء العصيان ولو أريد به تحقق الطاعة وحصول الامتثال على الوجهين فليفرض ذلك فيما إذا وجب عليه السفر فإنه لو ترك الأمرين حينئذ عصى ولو أتى بأحدهما اكتفي في حصول الامتثال ومن الواضح عدم كون الوجوب التخييري في شيء والحاصل أن الأمر المذكور من لوازم الوجوب التخييري واللازم قد يكون أعم من الملزوم فلا يلزم من ثبوته في المقام ثبوت الوجوب التخييري قوله أنا نقطع بأن الفاعل للصلاة إلى آخره يمكن تقرير الجواب المذكور تمامه معارضة فأراد بذلك إثبات أن الوجوب في ذلك ليس على سبيل التخيير إذ لو كان كذلك لزم أن يكون حصول الامتثال بالفعل من جهة كونه أحد الواجبين المخيرين وليس كذلك كما يعرف من ملاحظة الشرع وأن يكون العصيان المترتب على ترك العزم لا من جهة تركه بخصوصه